فخر الدين الرازي

117

تفسير الرازي

سورة الكوثر ثلاث آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) * . * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * . اعلم أن هذه السورة على اختصارها فيها لطائف : إحداها : أن هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة ، وذلك لأن في السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأمور أربعة : أولها : البخل وهو المراد من قوله : * ( يدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ) * الثاني : ترك الصلاة وهو المراد من قوله : * ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) * والثالث : المراءاة في الصلاة هو المراد من قوله : * ( الذين هم يراءون ) * والرابع : المنع من الزكاة وهو المراد من قوله : * ( ويمنعون الماعون ) * فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعة ، فذكر في مقابلة البخل قوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * أي إنا أعطيناك الكثير ، فأعط أنت الكثير ولا تبخل ، وذكر في مقابلة : * ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) * قوله : * ( فصل ) * أي دم على الصلاة ، وذكر في مقابلة : * ( الذين هم يراءون ) * قوله : * ( لربك ) * أي ائت بالصلاة لرضا ربك ، لا لمراءاة الناس ، وذكر في مقابلة : * ( ويمنعون الماعون ) * قوله : * ( وانحر ) * وأراد به التصدق بلحم الأضاحي ، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة ، ثم ختم السورة بقوله : * ( إن شانئك هو الأبتر ) * أي المنافق الذي يأتي بتلك الأفعال القبيحة المذكورة في تلك السورة سيموت ولا يبقى من دنياه أثر ولا خبر ، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل ، وفي الآخرة الثواب الجزيل . والوجه الثاني : في لطائف هذه السورة أن السالكين إلى الله تعالى لهم ثلاث درجات : * ( أعلاها ) * أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله وثانيها : أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية وثالثها : أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانصباب إلى اللذات المحسوسة والشهوات العاجلة ، فقوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * إشارة إلى المقام الأول